************************

************************

التاريخ

||

جديدي في تويتر

الاثنين، 25 فبراير 2013

(( تعظيم السلف وتخبطات الخلف )) الشيخ الفاضل بدر بن علي بن طامي العتيبي - حفظه الله -



بسم الله الرحمن الرحيم



تعظيم السلف ...... وتخبطات الخلف
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (خير النَّاس قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ) متفق عليه، فهذا نص نبوي صريح في فضل الصحابة والتابعين وأتباعهم، ولا يشك مسلمٌ أن أولئك الجيل خير جيل، وأفضل رعيل، وهم أقرب الناس إلى العهد النبوي زماناً وحالاً ومن عاصره ومن عاصر من عاصره، ولهم الصدارة في كل فضيلة من الفضائل، وبهداهم أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقتدي، كما روى الإمام أحمد في "مسنده" وغيره عن العرباض بن سارية رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عليكم بسنّتي وسنّةِ الخلفَاءِ الراشِدينَ المهديِّينَ، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذِ، وإياكم ومُحدثاتِ الأمورِ، فإنَّ كلَّ مُحدثَةٍ بدْعةٌ، وكل بدْعَةٍ ضَلاَلَة) وقد أثنى الله تعالى على المتبعين لهم بإحسان، قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر: 10] وهو يشمل كل تابعٍ لهم ولو أزمانٍ متأخرة.
وعلى القرون المفضلة يقع اسم السلف الصالح بالمطابقة، ويشمل كل من سبقنا بعصره وهو على طريقتهم ومنهاجهم النبوي، فهم لنا سلف ولو تقدمونا بأعوامٍ قلائل ما داموا على منهج الأول.
وللناس مع هذا النبراس العظيم ثلاثة طرقٍ:
الطريق الأولى: طريقة الخلف الصالح، والتابعين لهم بإحسان، فيقولون: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) ومنهجهم يؤخذ بعمومه فيما اتفقوا عليه، لأنهم لا يجتمعون على خلاف الحق، ومراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم وهم أعرف الناس به، وما كان من أفرادهم فيعرض على القسطاس المستقيم، وعلى الصراط القويم، فهم بشر حالهم كحال سائر البشر يصيبون ويخطئون، مع أن الخطأ فيهم قليل بالنسبة إلى غيرهم، والظن بهم حسنٌ، لما يُعلم عنهم من صدق الديانة والأمانة، وما ظهر لنا مخالفته للحق نبادره باتهامات بعيدة عنهم قبل أن نتهمهم بالخطأ:
أولها: اتهام فهمنا للحق في المسألة، وإدراكنا للصواب.
وثانيها: اتهام فهمنا لكلام الإمام ومراده.
وثالثها: اتهام ثبوت الخبر المخالف لهذا الإمام.
فإن ثبتت مخالفته للحق، فلا يقدم على قول الله وقول رسول صلى الله عليه وسلم قول أحدٍ من الناس.
وفي عموم الفهوم والعلوم رأي السلف خير لنا من رأينا لأنفسنا.
وكلما تعمق الإنسان في علوم القوم وفهومهم، وسيرهم وأخبارهم فسينظر إلى عصرنا بمنظارهم، فيسلم من كثير من محدثات المتأخرين ومخالفاتهم.
ويجب أن يُستحضر عند التأسي ببعض مقالات أفراد السلف وأفعالهم كافة الملابسات المحتفة بذلك من (قصد) و(زمنٍ) و(حال) خاصة في مسائل (الأسماء والأحكام) من مسائل التكفير والتبديع والهجر والنكير، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في "مجموع الفتاوى" (28 / 213) : وَكَثِيرٌ مِنْ أَجْوِبَةِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ خَرَجَ عَلَى سُؤَالِ سَائِلٍ قَدْ عَلِمَ الْمَسْئُولَ حَالَهُ أَوْ خَرَجَ خِطَابًا لِمُعَيَّنِ قَدْ عَلِمَ حَالَهُ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ قَضَايَا الْأَعْيَانِ الصَّادِرَةِ عَنْ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا فِي نَظِيرِهَا. فَإِنَّ أَقْوَامًا جَعَلُوا ذَلِكَ عَامًّا فَاسْتَعْمَلُوا مِنْ الْهَجْرِ وَالْإِنْكَارِ مَا لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ فَلَا يَجِبُ وَلَا يُسْتَحَبُّ وَرُبَّمَا تَرَكُوا بِهِ وَاجِبَاتٍ أَوْ مُسْتَحَبَّاتٍ وَفَعَلُوا بِهِ مُحَرَّمَاتٍ. وَآخَرُونَ أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ يَهْجُرُوا مَا أُمِرُوا بِهَجْرِهِ مِنْ السَّيِّئَاتِ الْبِدْعِيَّةِ؛ بَلْ تَرَكُوهَا تَرْكَ الْمُعْرِضِ؛ لَا تَرْكَ الْمُنْتَهِي الْكَارِهِ أَوْ وَقَعُوا فِيهَا وَقَدْ يَتْرُكُونَهَا تَرْكَ الْمُنْتَهِي الْكَارِهِ وَلَا يَنْهَوْنَ عَنْهَا غَيْرَهُمْ وَلَا يُعَاقِبُونَ بِالْهِجْرَةِ وَنَحْوِهَا مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهَا فَيَكُونُونَ قَدْ ضَيَّعُوا مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مَا أُمِرُوا بِهِ إيجَابًا أَوْ اسْتِحْبَابًا فَهُمْ بَيْنَ فِعْلِ الْمُنْكَرِ أَوْ تَرْكِ النَّهْيِ عَنْهُ وَذَلِكَ فِعْلُ مَا نُهُوا عَنْهُ وَتَرْكُ مَا أُمِرُوا بِهِ. فَهَذَا هَذَا. وَدِينُ اللَّهِ وَسَطٌ بَيْنَ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ، انتهى كلامه وهو كلام هامٌ ومتين.
ويخضع تطبيق هذه النصوص لعدة اعتبارات ذكرتها في غير هذا الموطن، كالرسالة "العينية" وغيرها.
أما الطريق الثانية: فهي الطريق الانتقائية الفاسدة، وهي طريقة أهل الأهواء، فيتبعون من متشابه أقوال أفراد السلف وأفعالهم ما يوافق أهوائهم، فيغررون الهمج الرعاع والأقماع بأنهم على منهاج السلف، وهم أبعد الناس عن منهاجهم، بل ما من صاحب خبيئة حادثة فاسدة إلا وهو يسوقها بمتشابه ما يروى عن المعظمين من السلف ولو كان بالكذب والتلفيق عليهم، ونسبة باطلهم إليهم، كما صنع اليهود والنصارى حينما قالوا بأن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً فقال تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [آل عمران: 67] وكذب السحرة فنسبوا سحرهم إلى سليمان عليه السلام فقال تعالى: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) [البقرة: 102] وروى الخطيب في "تاريخه" أن الحلاج قال: إن الإنسان إذا فاته الحج يفرد في بيته داراً ينقيها من النجاسة ويحج لها بصورة ذكرها هناك! فقالوا له من أين لك ذلك؟! فقال: من " كتاب الإخلاص " للحسن البصري! فقال له أبو عمر القاضي: كذبت يا حلال الدمّ، قد سمعنا كتاب "الإخلاص" للحسن البصري بمكة وليس فيه شيء مما ذكرته!
فلا يغترّ الناظر بكل ما ينقله أهل الباطل عن بعض أفعال السلف وأقوالهم وليجعلهم محلّ التهمة في (ثبوت) ما نقلوه أو في (دلالته).
ويلحق بهذا النوع نابتة نبتت في عصرنا ضربوا قول السلف بعضه ببعض، فاختاروا منه ما شاءوا، وأهملوا ما يخالف مذهبهم، وليتهم وقفوا عند ذلك! بل استخدموا هذا في إسقاط الكثير من أهل العلم الفضلاء الذين هم أعرف وألصق بمنهج السلف، بل هم نقلته وانصاره، كالإمام ابن خزيمة وابن عبدالبر وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم، ووقفت على بعض المقالات لأحدى أولئك الحمقى يستهجن فيها عموم من جاء من بعد المائة الخامسة بل والرابعة والثالثة! بدعوى مخالفتهم لمن قبلهم! ويدعى لكع ابن لكع أنه بعد مرور خمسة عشرٍ قرنٍ أعرف بمنهج السلف من أولئك الأئمة، ويتهمهم بأنهم بدلوا وحرّفوا الدين وخالفوا الأئمة، وهذه من ويلات الزمان المتأخر حالاً وزماناً أن يتكلم فيه هذا وأضرابه، ممن لم يعرفوا بمثافنة العلماء، ولا تحصيل العلم بوجهه، وإنما خاضوا في كتب السلف بشدة، ولم يوغلوا فيها برفق، فقتلهم ربيعها كما تُقتل البهائم من الربيع حبطا!
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنَّ هذا الدِّين يُسْرٌ، ولنْ يُشادَّ الدِّينَ أحدٌ إلا غَلَبَه، فَسَدِّدُوا وقاربوا، وأبْشِرُوا).
فتقحم أولئك الحمقى سور الآثار والأخبار عن السلف الصالح، فانتقوا منها ما شاءوا فطرحوا بذلك من جاء بعدهم من العلماء الأخيار، واتهموهم بأبشع الأوصاف من (رقة الدين!) و(الغش والخيانة) وحاشاهم والله.
والمقصود؛ أن علم السلف لم يأتِ لنا بالألغاز ولا بالوجادة والركاز! وإنما نقله إلينا ورثة الأنبياء كابراً عن كابر، وكان في سماء العلماء نجومٌ يهتدى بهم ويقتدى، حققوا مذاهب السلف ومقاصدهم، ومن أبرزهم من سميت فيما تقدم، فكيف يروق لهذا الغبي التطاول عليهم واستهجانهم والمساس بمنزلتهم؟!
الطريق الثالثة: الطريق التي جاءت الأخبار بالتحذير منها بعض الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه في آخر الزمان يلعن آخر هذه الأمة أولها! والمراد باللعن مطلق الذم والعيب، وهذا حال كثير من زنادقة العصر الحاضر، فيستهجنون مذهب السلف، ويأنفون من سماع أخبارهم وآثارهم، ويصفون زمانهم بالبائد والظلامي والعصر الساذج! ونحو ذلك.
وما اعتبر هؤلاء الأغبياء بصنع الله في أولئك الأخيار، وصنعه جل شأنه في مخالفيهم من الأغمار والفجار، وكيف رفع الله ذكر أولئك الجيل، وتناقل الناس أخبارهم وآثارهم، وسيرهم ودقائق شؤونهم، ويستغفرون لهم، ويترحمون عليهم، ويحلون بذكرهم المجالس والكتب والخطب، في مقابل تلف خصوم الحق في مزبلة التاريخ، وغياب أخبارهم، وضياع آثارهم، ولم يبقَ منها سوى ما يحمل فيهم الذم، والعياذ بالله، وهذه سنة الله في علو الصادقين الوارثين لدين الله تعالى ورفعتهم، وجند الله هم الغالبون المنصورون الظاهرون إلى قيام الساعة، ومن آذاهم فقد آذنه الله بالحرب، ومن حاربه الله أنى له الفلاح والنجاح؟!
فأصحاب هذه الطريق ما هم إلا ركامة من دخان قد يحجب النور برهة من الزمن، ويخنق الصدور، ويهلك من أسرعت به هلكته ومضى فيه قدر الله، ولكن ما يلبث يسيراً إلا ويتبدد ويزول، وهكذا الحق والباطل! قال تعالى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) [الرعد: 17].
كتبه
بدر بن علي بن طامي العتيبي
الخميس 21 صفر 1434

ليست هناك تعليقات:

التوقيع :

جميع الحقوق محفوظة لموقع © المدونة السلفية الحنبلية